المقدمة
أراء طبية حرة
شعر
قصة قصيرة، حكايات طبية
أقلام حرة
أسئلة متنوعة و متكررة
في رثاء الراحلين
حقوق الانسان بالاسلام
فن و موسيقا
روائع نزار قباني
قصص اطباء عانوا من نظام الاسد
رياضة الغولف Golf
من التراث العربي
قصص من تراث اللاذقية
مخطط الموقع
باب في رثاء الراحلين - الصفحة (8) - كل ما لا علاقة له بالطب - منوعات
في رثاء الحاج المهندس العميد المتقاعد عبد الحسيب كيخيا(أبو نظير) رحمه الله
د عمر فوزي نجاري
في يوم الإثنين, السابع عشر من نيسان لعام 2017م الموافق 21 رجب 1438هـ, انتقل إلى رحمة الله تعالى, عبد الحسيب كيخيا (أبو نظير) عن 83 عاماً قضاها في مساعدة الآخرين وجبر الخواطر والعمل الصالح, بكل ما تحمله هذه الكلمات من معانٍ, لا كما اعتاد الناس على نعتِ مرحوميهم بها . حيث صلينا عليه عقب صلاة الظهر في جامع عمر بن الخطاب, ثم شيّعناه إلى مثواه الأخير في مقبرة الشيخ ضاهر, وأمّا العزاء عليه فقد أقيم في صالة جامع الزوزو. عندما بلغني نبأ وفاته, رحمه الله, أحسست بمرارة في حلقي, ولم أجرؤ على ارتشاف شفة ماء, فَلَكم مرّت السنون سريعا, وكأنّها ضُغِطت إلى شهور أو أيام, ورغم يقيني التام أنّ عشرات الصفحات وآلاف الكلمات ستبقى عاجزه عن أن تفيه حقه أو تبلّغه قدره, إلاّ أنني وجدتها سانحة أن أكتب عنه, ولو بضع كلمات تكشف الغطاء عن نبله ومروءته وتميط اللثام عن إنسان لطالما تفانى ساعياً في خدمة الأقربين والأبعدين والوطن. وما أحسبُ (أبو نظير) رحمه الله, دون أي مجاملة أو محاباة, إلاّ واحداً من رجالات عصره المخلصين الصادقين الذين ساهموا في بناء وطن حضاري, عرفنا بعضهم ممن عاش بيننا وغاب عنّا من لم نكن على اتصال وثيق به. يوم تعرفت عليه لأول مرة في أواسط سبعينيات القرن الماضي, عندما كنت طالباً في كلية طب جامعة دمشق, وكان وزوجته الفاضلة في زيارة عائلية لمنزل زوج خالتي, المرحوم بإذن الله, حسان عقدة ( أبو هشام), حيث كانت الأسرتان ولا زالتا على وفاق تام ومحبة كاملة, وكانتا تتبادلان الزيارات بشكل دوري, ومنذ ذلك اليوم توطدت العلاقة فيما بيننا واكتملت من خلال زيارات عائلية متبادلة, وكان مما زاد علاقتنا قوة ومتانة, ما أظهره لنا, وزوجته الفاضلة (أم نظير) من مودة ومحبة وشهامة ومروءة قلّ نظيرها في زمن عزّت فيه الفضائل, إذ كان يُسخّر إمكانياته كافة وما يقدر عليه سعياً لخدمة معارفه وأصدقائه والمحيطين به وكل من يقصده, دون أن يبتغي وراء ذلك سوى وجه الله ورضاه. لا بد لكل من يعاشره أو يخالطه أو يحتك به لأي أمر مهما كان بسيطاً, إلاّ وأن يكتشف بداهة سمو أخلاقه وتواضعه ورفعة نفسه... رٌقيّ ما بعده رُقيّ. كان, رحمه الله, بإطلالته الهادئة المميزة وابتسامته المريحة و رزانته و وقاره وسلاسة كلماته وعباراته, ينمّ عن فكر نيّر منفتح أكسبه كاريزما خاصة لا يستطيع أحد أن ينفك عن سطوتها. حبه للنقاش البنّاء والحوار الحضاري, كان وسيلته للتواصل وبناء الجسور مع الآخرين, إذ غالبا ما كان يتكلم في العموم موصلاً أفكاره التفسيرية متفنناً في التعبير عنها بأسلوبه الفلسفي المتميز الهادئ والمحبب من قبل مستمعيه .. إذ كان مشبعاً بالأفكار الرومانسية الطوباوية, وقد نهل من الفكر العربي الإسلامي الشيء الكثير, ومن الفكر الغربي عامة و الأمريكي خاصة ثمرته وزبدته, فكانت الحياة عنده في جوهرها استقامة وفي صورتها ومرآتها أخلاق حميدة, وأمّا طموحه فكان بلا حدود, حتى في أواخر ايامه إذ كان يسعى لتعلم المزيد من اللغات, فهو إلى جانب إتقانه اللغتين الانجليزية والروسية, اتجه إلى تعلم اللغتين التركية والألمانية .. ولطالما كان يسعى إلى التجديد فكراً وعملاً, وهذا ما كان عهدي به على الدوام. على مدى سنوات معرفتي الطويلة به, كان قارئاً نهماً للقرآن متدبرا لآياته بأسلوب قلّ مثيله إذ كان يقاطع المراجع والتفاسير ويراجع الأحداث واسباب النزول بغية رسم صورة أكثر وضوحا لما جاء في القرآن الكريم من معانٍ وأحكام.. كتاباته هذه ادعو الله أن يهيئ لها من يجمعها ويحققها وينشرها عساها تكون صدقة جارية عن روحه رحمه الله. كنت أبادله ما أكنّه له من قدر كبير مشبع بالمودة والاحترام, ورغم قلة لقاءاتنا العابرة في أخريات أيامه, إلاّ أنّه حافظ على تواصله معي هاتفياً حتى في أحلك الظروف التي مرّ بها أو مررت بها!.. لم يكن في يوم من الأيام مغترباً عن نفسه أو وطنه, حتى في غربته خلال مراحل تحصيله العلمي العالي سواء في الولايات المتحدة الأمريكية أو في مصر أو في الاتحاد السوفيتي السابق, وكان ذلك في خمسينيات وستينيات القرن الماضي, حيث حاز على شهادة هندسة المعادن من الاتحاد السوفيتي وكان قبلها قد حاز على هندسة الميكانيك من جامعة تكساس في الولايات المتحدة الأمريكية حيث أثبت تفوقه العلمي من خلال تمكنه من اجتياز الامتحانات الجامعية خلال فترة زمنية قياسية لم تتجاوز الأربع سنوات, تمكن خلالها من الحصول على البكالوريوس ومن ثم الماجستير عوضا عن خمس سنوات مُنحت له لإتمام تحصيله فكان بذلك أول العائدين إلى وطنه من دفعة المبتعثين للتحصيل العلمي العالي في الغرب, و رغم إعجابه بالحضارة الأمريكية من حيث اعتمادها على العقل كمعيار ينبغي على كل شيء أن يمتثل لحكمه, إلاّ أنّه كان يؤمن بأنّ الإنسان حر في عدم قبول إلاّ ما يراه مبرراً. وإعجابه بالعقلانية الغربية لم يحرفه أو يبعده عن انتمائه العروبي والإسلامي, بل زاده ثراء وعمقاً فلسفياً, ففاحت نفسه بحب الوطن وحب الإنسان. رحمك الله يا أبا نظير, وجعل أعمالك الخيّرة وسعيك الدؤوب ثقلاً في صحائفك يوم القيامة. إنّا لله وإنّا إليه راجعون, ولا حول ولا قوة إلاّ بالله. د عمر فوزي النجاري _________________________ فهرس مواضيع الدكتور عمر فوزي نجاري
الحقوق محفوظة طبيب الوب 2014 ©
http://tabib-web.eu - http://www.tabib-web.eu