المقدمة
أراء طبية حرة
شعر
قصة قصيرة، حكايات طبية
أقلام حرة
أسئلة متنوعة و متكررة
في رثاء الراحلين
حقوق الانسان بالاسلام
فن و موسيقا
روائع نزار قباني
قصص اطباء عانوا من نظام الاسد
رياضة الغولف Golf
من التراث العربي
قصص من تراث اللاذقية
مخطط الموقع
باب في رثاء الراحلين - الصفحة (8) - كل ما لا علاقة له بالطب - منوعات
في رثاء أمي (الحاجة هند محمد سراج)
د.عمر فوزي نجاري
في رثاء أمي (الحاجة هند محمد سراج) د. عمر فوزي نجاري ذكرياتُ أيَّامكِ الأخيرة لن تفارق مُخيِّلَتي أبدًا, ذكرياتٌ تضغطُ على صدري وتقطعُ أنفاسي, حتى لأكادُ أختنقُ كَمَن يصَّعدُ في السَّماء. إنَّها أمِّي, انعقدت بيني وبينها رابطة أمومةٍ وبنُّوةٍ, زادها مرَضُها الَّذي طوت أيَّامها الأخيرة ملازمة له, متانةً وقوَّةً يَصعبُ معها فصم عراها, مرضٌ عانت وطأته بصبرٍ واحتسابٍ, إذ كانت تتألَّمُ ولا تتكلَّمُ رأفةً بنا نحنُ من كُنَّا نُداريها في مرضها. كانت ذات نفسٍ صابرةٍ, فكانت للنَّفسِ غلُوبًا وللألم صابرةً محتسبةً, أعطتنا فترة مرضها الفرصة كي نمارس برَّ الوالدين على أكمل وجهٍ, ونَهَبُها العطفَ والحنان والمحبَّةَ, وخدمتها. لا أجملَ من شعور المريضِ في أيَّامه الأخيرةِ بأنَّ من حوله يُحبوُّنه ويتفانون في خدمته, لَكم خفَّفَ عنها هذا الشُّعور حدَّة ألمها, إذ كان ثغرها دائمًا بسَّامًا تخرجُ منه كلمات التَّرضي عذبة رقراقة نتنعَّمُ بسماعها. لحظةُ وفاتها, دارت بيَ الأرضُ وجسدها الطًاهر السَّاكنُ أمامي قد صرعهُ الموتُ (إِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ إِذَا جَآءَ لَا يُؤَخَّرُۚ لَوۡ كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ) سورة نوح/ آية 4. بوفاتها انقلب دولاب الزَّمن راجعًا إلى الوراء وأحسستُ برغبةٍ عارمةٍ في إفراغِ مشاعري وأحاسيسي, حالةٌ شعوريَّةٌ سبق وعبَّر عنها المتنبي بقوله: نصيبُكَ من حياتكَ من حبيبٍ نصيبُكَ في منامكَ من خيال. تداعت ذكرياتها في خيالي, مواقف وذكرياتٌ لا تُنسى, بشاشةُ وجهٍ تُغني عن القِرى, نفسٌ خيِّرةٌ شعارها: (من لا يُسعده العطاء لا يُسعده شيءٌ في الحياة), كان دأبُها البذل والإيثار, مضيافة كرمها مشهودٌ وضيفها محشوم, لطالما تجاوزت عن المعسرين, وإنِّي لأرجو الله أن تكون ممن يتجاوز الله عنه. ثروتها الحقيقيَّة في حياتها, محبتها للنَّاس والمحبَّةُ الَّتي أكنَّها النَّاسُ لها, إذ لطالما تركت في نفوسِ معارفها أعمق الأثر, وجهٌ يتلألأُ نورًا تُزيِّنُهُ ابتسامةٌ لا تُضاهيها ابتسامة الزَّهر صباح يومٍ ربيعيٍّ, وفي أعماق عينيها يشتعلُ بريقٌ يُضفي على بشاشتها وحُسن مداراتها عزَّةُ نفسٍ يندُر وجودُها. كانت ذات ملاحظةٍ دقيقةٍ وبصيرةٍ نفَّاذةٍ مع طول أناةٍ وصبرٍ, رقيقة الفؤادِ ذات قلبٍ نقيٍّ صافٍ وضمير طاهر وعيشة رضيَّةٍ. تنتقي كلماتها بدقَّةٍ متناهيةٍ وصوتٍ يتخلَّلهُ لحنٌ من التَّعاطفُ والحنان مُحبَّبٌ للقلوب, يجعلُ المُستمعَ لها يُصغي بشغفٍ واهتمام. كانت صوَّامةٌ قوَّامةٌ ديدنها قراءة القرآن وذكر الله آناء الليل وأطراف النَّهار, فكانا حصنها الحصين. وإذا كانت الأمور بحُسن خواتيمها, فما أحسن خاتمتها في اليوم الخامس من ذي الحجَّةِ لعام 1447هـ الموافق ليوم الأحد الفاتح من شهر حزيران عام 2025م. أيامٌ أقسم الله بها, ايام العشر الأوائل من ذي الحجَّةٍ (وَلَيَالٍ عَشۡرٖ) سورة الفجر/ آية2. يومَ صلَّينا عليها في التُربةِ لم أتمكَّن من تمالك نفسي فتركتُ الإمامة لإمام التُّربة كي يؤمَّ المصلِّين, إذ تهدّج صوتي المشروق بالدَّمعِ وقد انهمرت الدُّموع على خدَّيَّ, لقد ذهبَ الَّذين يُعاش في أكنافهم, بكيت عليها, بكيت على نورٍ كان في الأرض وأُطفئ. يا تُربة الشيخ ضاهر, بوركت من تُربةٍ, أودعتُ ثراكِ أعزَّ النَّاس عليَّ فاحفظي الودائع إلى يوم تُجزى فيه الصَّنائع. لسان حالي يقول كما قال الشَّعر: إن كُنت لست معي فالذِّكرُ منك معي يراك قلبي وإن غُيِّبتَ عن بصري إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون ولا حول ولاقوة إلَّا بالله (الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون) سورة النحل آية 42. د.عمر فوزي نجاري _________________________ فهرس مواضيع الدكتور عمر فوزي نجاري
الحقوق محفوظة طبيب الوب 2014 ©
http://tabib-web.eu - http://www.tabib-web.eu