المقدمة
أراء طبية حرة
شعر
قصة قصيرة، حكايات طبية
أقلام حرة
أسئلة متنوعة و متكررة
في رثاء الراحلين
حقوق الانسان بالاسلام
فن و موسيقا
روائع نزار قباني
قصص اطباء عانوا من نظام الاسد
رياضة الغولف Golf
من التراث العربي
قصص من تراث اللاذقية
مخطط الموقع
باب قصة قصيرة، حكايات طبية - الصفحة (8) - كل ما لا علاقة له بالطب - منوعات
إنهم أبنائي
د عمر فوزي نجاري
إنهم أبنائي بحثت عنه عيناي حيث اعتاد الجلوس والإستلقاء... فلم أجده!. كان سريره خاليا، وقد تم ترتيبه بشكل أنيق وبأردية نظيفة وينتظر نزيلا آخر، موعد قدومه مجهول!. أمُا الأستاذ رفيق شريكه في الغرفة، وكانت حالهما قد توحدت منذ جمعتهما تلك الغرفة التابعة لمبرة العجزة، فقد بدت على قسمات وجهة ملامح الاكتئاب المفعم بالحزن . سألت عنه أبا عمار -المشرف على دار رعاية العجزة -والقلق غالب على سؤالي!. أجابني: المحبة يا حكيم لا يُعرف قدرها إلاٌ ساعة الفراق، كان يوما مشهودا يوم جاء أبناؤه ليأخذوه معهم إلى بلدته، والكلمات تبقى عاجزة عن التعبير الدقيق عن حقيقة ما جرى ذلك اليوم... * * * * * * * * * الأستاذ رفيق رجل كهل ضرير زين الشيب شعره وهو يقيم في دار الرعاية منذ بضع سنوات، ويحتل فيها مكانة مميزة لما يتصف به من سلامة القلب وطيبته الممزوجين بالمرح الجميل وخفة الروح ودماثة الأخلاق، وهو رجل مجتمع سابق جار عليه الزمان فتقطعت به السبل وانتهى به الأمر إلى تلك الغرفة الجميلة الوادعة المطلة على شاطئ البحر، وشاءت الأقدار أن يشاركه في تلك الغرفة الأستاذ عمر، وهو أيضا رجل مجتمع وتاجر سابق عمت شهرته الآفاق، ولكنها الدنيا لا تبقي على حال.. وعندما خانت الأستاذ عمر صحته وأنقض عليه المرض، وأصبح عليلا طريح الفراش، انفض أولاده وأحبابه من حوله ليبقى وحيدا مع مرضه الذي بدأت بوادره تزداد تأزما يوما بعد يوم، تورمت قدماه ولم يعد قادرا على السير، وبدأ يعاني من صعوبة في التبول استدعت وضع قثطرة بولية له، وأخذ وعيه بالتشوش شيئا فشيئا كمن داهمه الخرف ... ويوم جاء به أبناؤه إلى دار رعاية العجزة المسنين لم يكن أكثر من هيكل عظمي بشعر أشيب وبوجه مستدير متورم وعينين غائرتين وقد تحجرت مآقيه وتجمدت قسمات وجهه، وكان برفقته كيس جمع البول المتصل بالقثطرة البولية وكان يلازمه في نومه ويقظته، أمٌا أبناؤه فإنهم سرعان ما غادروا الدار فرحين متهللين كمن وضع حملا ثقيلا كان ينوء تحته، وكانوا على يقين تام من أنٌ حالة أبيهم الصحية المتدهورة ستقوده إلى حتفه المعلوم وأنٌ يومه الموعود لم يعد بعيدا، وقد نسوا أو تناسوا أنٌ الأعمار بيد الله وأنٌ الأجل المكتوب لا يقدمه مرض ولا تؤخره صحة. أمٌا الأستاذ رفيق فقد سرٌ كثيرا بمشاركة الأستاذ عمر له في غرفته رغم تدهور حالته الصحية وأخذ يتغنى ببيت شعر يقول: يا ضيفنا لو زرتنا لوجدتنا نحن الضيوف وأنت رب المنزل ويبدو أنٌ العطف والمحبة والرعاية التي تلقاها عمر من النزلاء والعاملين على رعاية النزلاء قد ساهمت كلها في عودة الحياة إلى عروقه والنبض إلى قلبه، وما هي إلاٌ أشهر معدودات حتى عاد عمر رجلا آخر وبنفسية سمحة منطلقة غلب عليها الرزانة والهدوء ومحبة الآخرين، أمٌا ابتسامته فلم تعد تفارق محياه رغم امتلاء رأسه بالحزن والأسى اللذين خلفهما تخلي ابنائه عنه. كان عمر يتمتع بذاكرة حية استوعبت واختزنت، وكثيرا ما كان يجلس إلى رفيق ليقص عليه قصة حياته وكأنٌه يقرأ في كتاب مفتوح عن ذكريات زمان مضى، وكان رفيق يستمع إليه بشغف ويجد في كل كلمة يقولها لذة ومتعة تعوضه عن لذة حاسة البصر التي فقدها منذ أمد بعيد ... * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * يوم جاء أبناء عمر ليأخذوه من الدار بعد أن علموا بشفائه وعودته إلى حياته الطبيعية أحس جميع من في الدار بما فيهم عمر نفسه بالمرارة في حلوقهم وقد بدأت الدموع تأخذ طريقها عبر أخاديد الوجوه المغضنة. تنهد عمر، استجمع فكره، دعك ذقنه بروية وتوجه إلى أبي عمار بقوله : لقد وجدت في الإقامة في مبرتكم متعة أضفت على نفسي كثيرا من الراحة، ومن الرعاية والعطف والحنان مالم أجده عند أبنائي الذين تخلوا عني في وقت أشد ما أكون فيه بحاجة إليهم، وهاهم الآن وقد عادت إليٌ صحتي وعافيتي يريدونني ثانية إلى جانبهم، إنهم أبنائي يا أبا عمار؟!. بدأ يجر قدميه مبتعدا عن الدار، ثم توقف لبضع لحظات ليلتقط أنفاسه ولينظر نظرة وداع أخيرة نظرة تعبر عن وحدة موحشة وضياع، ثم استأنف سيره ثانية وهو يجرجر قدميه. وفي الخارج كانت الريح تصفر ومياه البحر تمتد أمام البصر امتدادها اللامتناهي بزرقتها الفيروزية الممتلئة بضجة الحياة. _________________________ فهرس مواضيع الدكتور عمر فوزي نجاري
الحقوق محفوظة طبيب الوب 2014 ©
http://tabib-web.eu - http://www.tabib-web.eu