المقدمة
أراء طبية حرة
شعر
قصة قصيرة، حكايات طبية
أقلام حرة
أسئلة متنوعة و متكررة
في رثاء الراحلين
حقوق الانسان بالاسلام
فن و موسيقا
روائع نزار قباني
قصص اطباء عانوا من نظام الاسد
رياضة الغولف Golf
من التراث العربي
قصص من تراث اللاذقية
مخطط الموقع
باب في رثاء الراحلين - الصفحة (8) - كل ما لا علاقة له بالطب - منوعات
في رثاء ابنتي بشرى عمر فوزي نجاري
د. عمر فوزي نجاري
بشرى حِبُ قلبي ونسمة روحي، يا من عُرِفت بطيبتك وسماحة نفسك، يا من عُرفِتِ بوقارك وحلمك وهدوئك، رغم كثرة معاناتك من مرضك، لم أركِ يوما متزمرة أو غاضبة أو يائسة، إذ لطالما كانت الابتسامة تعلو محيّاك، والأمل يملأ قلبك تفاؤلا وفرحاً وبهجة. مرض ولا أشرس أحاطك من كل جانب تغلغل في أعماقك وتجذّر في عروقك، لا أمل من الشفاء منه إلاّ بمعجزة إلهية، ومع ذلك كنت متفائلة ومتمسكة بالحياة، لا حباً بها وإنّما لأجل ولديك، فكنت تمارسين حياتك المعتادة دون أن يشعر أحد بمرضك ومصابك رغم ما كنت تعانيه من آلام مبرحة، ذلك أنّك كنت حتى في أشد حالات مرضك سوءاً صابرة محتسبة، حامدة شاكرة، ولم تبثي حزنك أو ألمك لأحد، بل الابتسامة والأمل تعلو محيّاك، كانت وجهتك الوحيدة إلى الله، وإلى الله وحده كان سؤالك ورجاؤك وطلبك، مؤمنة بأنّ الله وحده هو الشافي المعافي. وجه بشوش كلله الرضا، لم تغادره الابتسامة يوماً، حتى لحظات وفاتك، فكنت بحق (بشرى) لكل من عرفك، نظراتك الموناليزية المميزة مقرونة بابتسامتك المعهودة ميزتك عن الآخرين، امتلكت احساساً مرهفاً ملأ قلبك ونفسك إنسانية ورحمة، فكنت احرص ما تكونين على فعل الخير حتى في اشد مراحل مرضك وأصعبها، فإذا بي أراك وقد جلبت أطايب الطعام وأحسنه لأيتام الحي حيث تقطنين، تقدمينه لهم ساخناً طازجاً قبل أن تقدميه لولديكِ وقبل أن تأكلي أنت منه!!.. عندما كنت تتصدقين بشيء ما، كنت تتصدقين بأفضل ما عندك، كنت تختارين الجديد من الألبسة والبطانيات لتوزيعها على الأيتام والمساكين والفقراء والمهجرين النازحين.. جعلها الله في صحائف أعمالك. كنت خير زوجة عارفة بحق زوجها، وخير أمٍ عارفة بحق أولادها، وخير ابنة ادركت معنى بر الوالدين، مخلصة في أداء واجباتك رغم وضعك الصحي الحرج، هذا ما شهده لكِ معارفك وأقرباؤك، حتى زوجك أجاد وصفك بقوله: (هي كالملاك في بيتي). وأمك التي ما فتئت تكتب الأشعار والخواطر فيكِ من خلال وقوفها إلى جانبك طيلة فترة مرضك مضحية بكل شيءٍ لأجلك. وأمّا عمّك بشار -وكان من أكثر من تأثر بوفاتك- فكان يشبّهك بالفراشة الجميلة (فراشة جميلة غادرتنا بصمت، لأنّ الفراشات جميلة وتنتقل بين الأزهار وتغادر بصمت، رحمة الله على التي مزقت قلبي ورحلت، وعزائي أنّها ارتاحت من عذاب هي كانت تسعى للتخلص منه)، وقال أيضا: (كانت كفراشة تمشي على قدمين، وكانت من بين الجميع الأقرب إلى قلبي، أتت إلينا وعاشت بيننا وغادرتنا بهدوء، رحمك الله يا بشرى والحمد لله على قضاء الله). كنتِ على الدوام حديثا حسناً لمن روى، ولم يكن يخلو مجلسٌ من ذكر محاسنكِ بين معارفك وأصدقائك وأقاربك (إنسانة خلوقه طيبه، قمة في الرقي والأخلاق)، قالت عنك معلماتك: (كانت طالبة متميزة ومتفوقه ومؤدبه وخلوقه قلّ مثيلها) ولا زلن يذكرنك بالخير وقد تأثرن كثيراً لمصابك وبكين عليكِ. إنّ الشمس لتتوارى خجلاً منك يا بشرى لما جمعته إلى جانب حبك لفعل الخير من ذكاء وطيبة وحُسنُ خلق ومحبة للناس أجمعين، إذ لم يحمل قلبك حقداً على أحد ولم تكن الضغينة تعرف طريقها إلى قلبك بل غلب على طبعك سلامة القلب وطيبته، لقد اتعبت قلبي وقلبك يا بشرى. مع اشتداد معاناتك من المرض، استمر حمدك وشكرك وصبرك واحتسابك، الشيء الوحيد الذي كنتِ تطلبينه وقتها: ( ادعُ لي... تعبت كثيراً). في 23 ايلول 2019م، وكان العرق يقطر من جبينك وقد بردت أطرافك.. ودخلت في غيبوبتك الأخيرة لتُطوى آخر صفحاتك بعد ظهر يوم الجمعة 28 محرم 1441هـ / 27 أيلول 2019م الساعة 14،55. ما أقساها من لحظات ... ما تدري نفس بأي أرض تموت، قدرك يا بنيتي أن تعيشي في الغربة وتموتي فيها، طوبى للغرباء وهنيئا لمن يلقى الله وهو راضٍ عنه، رحمك الله بشورتنا الغالية وجعل قبرك روضة من رياض الجنة، كنتِ الأحب والأقرب إلى قلوبنا جميعاً، ولكنه أمر الله، قدّر الله وما شاء فعل. المنادي الذي كان يجيئك خلال مرضك ويلهمك الخواطر الشعرية الملائكية التي كنت تخطينها، جاءني قائلا: إنّ (بشورتنا الغالية رحمها الله في جنات ونَهَر في مقعد صدق عند مليك مقتدر)، وهذا ما أكده ابنك ساردار ذو السبع سنوات عندما قال له أحد أترابه في المدرسة: (أمك ماتت) فأجابه ببراءة الطفولة وصدقها: ( أمي لم تمت... أمي في الجنة). من وصاياكِ لنا وصية لا تصدر إلاّ عن حكيم عركته الحياة وعاش دهرا من الزمن، وصية تُكتب بماء الذهب، سيخلدها التاريخ باسمك: (حين أموت لا تنعوني بالبكاء، سأكون أكثر سعادة تحت التراب). وكيف لا نبكي على من رحل باكراً وترك غصة في قلوبنا وذكرى جميلة في أعماقنا، سنفتقدك ونفتقد ضحكاتك و ابتساماتك وتبقى ذكراك غصصا فكأنك وكأننا أحلام... إنّ العين لتدمع وإنّ القلب ليحزن وإنّا على فراقك يا بشرى لمحزونون ولا نقول إلاّ ما يرضي الله، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله، إنّا لله وإنّا إليه راجعون. _________________________ فهرس مواضيع الدكتور عمر فوزي نجاري
الحقوق محفوظة طبيب الوب 2014 ©
http://tabib-web.eu - http://www.tabib-web.eu