Google
 

أسفل

جــــديدنا
الامراض المعدية .....     قصة لقاح يقي من السرطان .....     الأطفال وعضات الكلاب .....     تفلور الأسنان: Fluorosis .....     في عيون القراء .....     لعبة الغولف Golf تطيل الحياة .....     صمامة الرئة و الحمل .....     توافق طبي عالمي حول علاج سن اليأس .....     سرطان المبيض .....     توطئة في علم السموم .....     Lithopédion من عجائب الطب .....     طرق و اساليب منع الحمل .....     وباء الكريب grippe A(H1N1)2009 المسمى سابقا انفلونزا الخنازير .....     هل يمكن إنقاص معدل وفيات الأمهات. .....     مقدمة إلى المشاكل الجنسية عند المرآة .....     الالتهابات التناسلية ـ الإصابة الخمجية للجهاز التناسلي بالكائنات الدقيقة .....     دراسة انتشار الطفيليات المعوية عند الأطفال .....     هل يمكن للولادة بالمجيء المقعدي أن تتم عن الطريق الطبيعي؟ .....     هل يفيد العلاج الجراحي لدوالي الحبل المنوي؟ .....     العذرية و غشاء البكارة .....     دخلت بالثلاثينات من عمرك و لم تنجبي بعد. لما الانتظار .....     نصائح للأطباء حول تدبير حالات عسرة انتصاب القضيب .....     الحمل و الزمرة الدموية .....     وباء الايدز، حقيقة الامر بالبلدان العربية، خصائص المرض، طرق العدوى، وسائل الوقاية .....     القذف المبكر، المتعة السريعة .....     مواضيع تهم الأطباء و طلاب الطب .....     صفحة خاصة تهتم بمشاكل الحمل و الولادة و تطور الجنين .....     العقبولة التناسلية Herpes .....     السير الطبيعي للحمل .....     الطبيعي بالجنسانية الإنسانية .....     تعرفوا على أنفسكم. معلومات عامة طبية عن جسم الأنسان .....     اللقاح ضد سرطان عنق الرحم.. .....     سرطان عنق الرحم و فيروس البابيلوما الأنسانية HPV .....     الموسوعة المصغّرة للثقافة الجنسية و علم الجنس الطبي sexologie .....        
 
 

 

المقدمة

 

شعر

 

قصة قصيرة

 

أقلام حرة

 

أسئلة متنوعة و متكررة

 

مقالات طبية اجتماعية

 

حقوق الانسان بالاسلام

 

فن و موسيقا

 

منوعات

 

روائع نزار قباني

 

رياضة الغولف Golf

 

من التراث العربي

 

قصص من تراث اللاذقية

 
 
 

من أجل حلول لمشاكلك الجنسية، اسأل متخصص.

 
 
 

دليل لمواقع تهمك على الشبكة.

 
 
 

 

 

 
 

مخطط الموقع

باب قصة قصيرة - الصفحة (8) - كل ما لا علاقة له بالطب - منوعات

 
 

 
 

جدّي كان طبيباً

 

الأستاذ الدكتور صادق فرعون

 

.
د. صادق فرعون
جدّي كان طبيباً
تأخر الوقت والطبيب لم ينته من مرضاه . نظر إليهم وهم كُثُر ولكنه فوجئ أن كانت بينهم سيدة جميلة الطلعة ذكية النظرة عرف فيها ولتوه شهرزاد. تردد قليلا ولكنه سارع ودعاها لتدخل غرفة الفحص إذ لا يجوز لشهرزاد أن تنتظر حتى ولو أنها أتت على غير موعد.

نظرت شهرزاد إلى الطبيب نظرة فيها لوم وعتاب
– بالله عليكِ يا سيدة التاريخ يا شهرزاد العزيزة ، ماذا أغضبك لتنظري لطبيب مسكين مثلي بمثل هذه النظرة الغاضبة العاتبة ؟ أرجو أن تسامحيني وأن تقولي لي ماذا فعلت حتى استحق مثل هذه النظرة ؟

- ألا تعرفُ وتعترف بما فعلت وقد فعلت أمرا إدّا ؟
- سيدتي اعذريني فأنا لا أذكر أنني فعلت شيئا من مثل هذا الإدّ الذي تتحدثين عنه .
– اعترفْ ولوحدك وإلا ندمتَ على صمتك وعلى عدم المسارعة بالاعتراف ( وهنا سرعان ما توارد لذهن الطبيب المسكين عواقب عدم الاعتراف بل وعدم المسارعة به ).
– سيدتي أنا أعترف لك فورا أنني تأخرت بإدخال تلك المريضة وهي زوجة إنسان عالي المنصب ،كبير القدر والقدرة ، وإنني مذنب بسبب تلكئي هذا …
- لا لا ليس هذا هو سبب عتبي وغضبي .
– بربكِ ما هو إذن سبب عتبك وغضبك فليس هناك إنسان على الأرض يرضى أن تغضب شهرزاد منه أو بسببه ؟
- لعلك نسيت ما تحدثت به لزبائنك ولمرضاك من كلام فيه شيء من الشرق وفيه شيء من الغرب وفيه خليط من هنا ومن هناك ، أي بمختصر الكلام فيه شروي وفيه غروي .
– أرجو المعذرة يا سيدتي فأنا أعترف بأنني فعلت شيئا من هذا ولكن بقلب طيب وبنيّة حسنة .. – ولكن هذا لا يكفي ولا يبرر سلوكك هذا ولا يبرِّيء ساحتك .
– أرجوك يا سيدتي ، ما هو المخرج لي من هذه الورطة ، أنقذيني .
– الأمر سهل . لا تشرّق ولا تغرّب .
– إذن عمّ أتكلم أو أتحدث ، فأي كلام فيه تشريق و فيه تغريب ، لم أفهم ، أعذريني .
– قدّمْ أو أخّرْ
. – ماذا تقصدين ؟ أفصحي أرجوك .
– اكتب شيئا حدث في قديم الزمان أو اكتب شيئا عما سيأتي من الزمان .

أطرقَ الطبيب إذ استحى أن يعترف لشهرزاد أنه لم يفهم بعدُ قصدها . رفع رأسه وإذا به يفاجأ أن لم يكن أمامه أحد ، نعم لم تكن أمامه شهرزاد التي رآها بأم عينيه ورحب بها من كل قلبه . فكّر مليا وأدرك أن شهرزاد تنصحه بأن يروي أقاصيص عن الماضي البعيد فهذا لن يُغضب أيا من زبائنه أو من مرضاه أو من قراءه.

ولكن الطبيب لم يترك العنان لخيالاته فترك مرضاه ينتظرون وسارع فأمسك بالقلم وبدأ يكتب :

كان يا سادة يا كرام في قديم الزمان صبي صغير يعيش في بيت شامي عتيق في باحته الفسيحة بحرة ماء ، وكان الماء يندفع من أوسط البحرة فيُحدِث نغمة جميلة رتيبة لا تتوقف ولا تصمت ليلا ولا نهارا . كان الصبي ينام وصوت خرير الماء في أذنيه وفي قلبه . وكان في الباحة ثلاث شجرات ليمون ، شجراتٌ شامخات تصل ذراها إلى أعلى السطح . وكانت العصافير والحمَامات تعشق الوقوف على أغصانها بل والقفز ما بينها مغنية ومغردة ، لا تترك فرصة للكبار وللصغار ليستمتعوا بالنوم بعد بزوغ الفجر . وكان في زاوية من الباحة شبّاكان لغرفة خاصة فيها طاولة وفيها كرسيان وطاولة يتمدد عليها أناس يشكون أو يبكون أو يتألمون .

وكان يسارع إليهم إنسان وقور الطلعة يضع على ذروة أنفه نظارات معدنية مدورة لها ملقط معدني يثبتّها على أنفه . وكان لذلك الإنسان وجودٌ كبير ومتميز في ذلك البيت . إنه "الحكيم". والحكيم كان الطبيبَ في تلك الغوابر من الأيام ، وكان "الحكيم" جدَّ ذلك الصبي لأمه.

كان الحكيم يسارع لمعالجة مرضاه وكان يسامرهم ويَطمئنّ منهم عن أهلهم وذويهم وأولادهم وأولاد جيرانهم ، فكان يستفسر عن "أبي منير" وعن "أم منير" وعن فلان وعن علتان من جوار ذلك الحي أو تلك القرية .

كان الصبي يقف على حجرة من أحجار حوض "الزريعة" القريبة من شباك الحكيم ، وكان يتأمل ويراقب ما يجري وما يقال وما يُسأل وما يجاب بل وما كان يُفعل في تلك الغرفة الصغيرة والعجيبة.
ولم ينس الصبي ولن ينسى حتى آخر لحظة من حياته منظر رجل شاب أتى لتلك الغرفة وقد جَرح يده جرحا بليغا وعميقا ، وكان الدم ينفر من حواف جرحه . أمسك الحكيم إبرة معقوفة وبدأ يغرزها في لحم ذلك الشاب.

كانت الإبرة تدخل ، وكان الرجل يصرخ من الألم ، وكانت الإبرة تخرج من الطرف الآخر للجلد وكان الرجل يعاود الصراخ ، وكان الحكيم – الجدّ يبكي ويواسي مريضه قائلا : ما عليك إلا أن تتحلّى بالصبر وبالبأس الذي عُرفتَ به يا أبا فلان ، فلا توجد الآن مادة للتقليل من ألمك.

وكان الصبي يشعر بقلبه يخفق بشدة بل وكان يشعر ببعض دوار وبعض غثيان حتى لكأنه سيتقيأ. ومع هذا فما كان الصبي يتزحزح عن موضعه تحت الشباك وكان يثبّت قدميه على حافة الحجر كي يطال رأسه وعيناه مستوى الشباك . وكان جده يلتفت بين الفينة والفينة فيرى حفيده واقفا مذهولا . ولم يكن الجد يتكلم في تلك الأحيان إلى حفيده الصبي بل كان يكتفي بالنظر إليه نظرة هادئة غامضة ، ليس فيها غضب أو تحذير للصبي من أن يبقى وليس فيها ترحيب أو دعوة لأن يستمر في وقوفه.

لم يكن الصبي يُدرك في ذلك الحين مغزى نظرة جده له ، بل لعله لم يكن يأبه لتفسير غوامضها . كان جده إنسانا مهيب الطلعة ، أنيق الثياب ، قليل الابتسام وكثير العبوس ومع ذلك فما كان الصبي يشك أيما شك في أن جده يحمل قلبا حنونا ومحبا وعطوفا.

كان يتيقّن من ذلك لما كان يرى من جده وهو يعالج مرضاه أو يخزهم بإبره أو يعالج عيونهم الرمدانه بتلك القطرات التي كانت فيها الباردة والحامية والزرقاء والحمراء وكانت أشدها إيلاما تلك "المسحة" التي يقلب فيها الحكيم جفن الإنسان الرمدان يمسحها بمحلول مُلهِبٍ عرف الصبي بعد نصف قرن إن فيه قليلا من حجر جهنم.

كانت للجد – الحكيم مكانة كبيرة في نفس الصبي فقد كان يأخذه معه إلى القرى المجاورة ليقوم بمعالجة مرضاه في باحة بيت المختار أو أحد وجهاء هذه القرية أو تلك.

بعد قرابة نصف قرن قام صبي ذلك الزمان بزيارة بعضٍ منها وفوجئ أن لم يجدْ فيها تلك المناظر الساحرة والسديمية التي كانت في مخيلته وما زالت ، وقد أدرك فيما بعد لماذا اختلفت الصور ما بين زمن وآخر.

لا يذكر الصبي أن جدّه حدّثه عن أية أمور تتعلق بالطب والحكمة والمرضى والأمراض . ويتساءل صبي ذلك الزمان لماذا يا ترى لم يحُدّثه جده عن أي من تلك الأمور ؟ لم يُدرك ذلك في حينه ولا بعدما اختار لنفسه مهنة جده ، ولكن ، وبعض مضي العديد من العقود ، أدرك وأيقن أن جده تحدّث إليه كثيرا عن الطب وعن فضائل تلك المهنة ولكنه لم يفعل ذلك بالكلمات ، بل فعل ذلك فقط بأنه كان يترك للصبي أن يرى وأن يرى ويرى ، وأن يطبع في ذاكرته وفي نفسه صورة جميلة وسعيدة عمّن هو الطبيب وعمّا هو الطب وعما هي الحِكمة وعن تلك العلاقات الإنسانية الرائعة التي لا تستطيع كل كلمات العالم أن تصفها فتوفيّها وصفها وحقها.

أدرك صبي ذلك الزمان أن جده حدثه طويلا ولكن بدون كلمات وأن تلك النظرة الهادئة الغامضة التي لم يستطع أن يفسرها في حينها كانت دعوة صامتة ولكن بليغة لأن يختار تلك المهنة طريقا له في الحياة وأن يمنحها كل ما يملك من قدرة على التعلّم والتعليم والمعالجة والعناية بكل إنسان أيا كان ذلك الإنسان وأن يعتز بها مهنةً حتى ولو سببت له أو سبب له بعض الناس بعضا من الألم ومن الحسرة ومن المرارة ومن الشعور بالظلم وبأن الظلم لم يكن له ما يبرره.

لا تنتهي تلك الصورة المضيئة من الماضي البعيد إلا إذا ذَكر أيام وفاة جده وكانت أياما قليلة ومعدودة . مرض جده وشكا من سعال ومن حمى فلازم سريره المعدني الذهبي اللون . وفي اليوم التالي أتى حكيم آخر ما تزال صورته محفورة في ذهن صبي ذلك الحين . أخرج الطبيب إبرة طويلة وطلب من الجدة أن تأتي بطست كبير وضَعه قرب حافة السرير . عرّى ذلك الطبيب جدّه من قميصه ثم غرز الإبرة الطويلة في جانب صدره . وقف الصبي كعادته يراقب الموقف من شق الباب . شعر الصبي بألم حاد في صدره وبغصّة في حلقه وبضيق في نفسه.

إنه سبق له أن رأى إبرة تغُرز في جرح أو في ذراع أو في إلية ، أما أن تغرز في الصدر فكان أمرا فظيعا حقا . أخرج الطبيب الإبرة وبدأ يفُرغ سائلا أصفر غامقا رغويا في الطست . نظر الصبي إلى جده المريض ورآه يبادله تلك النظرة الغامضة الغريبة . كانت فيها مسحة من حزن دفين وصامت.

شعر الصبي بالحزن والانقباض فلم يسبق لجده أن نظر إليه مثل تلك النظرة . تكررت الوخزات في الصدر وتكرر قذف السائل الأصفر في الطست وأدرك الصبي بفطرته أن الأمر خطير . غادر الطبيب المنزل دون أي كلام.

بدأ الجد يترنم بكلمات كانت مبهمة في البدء ثم أدرك الصبي حروفها . كان الجد يتغنّى ويرثي نفسه فقد أدرك أيضا أنه ميّت لا محالة وأن أيامه الباقية معدودات . بقي الصبي قرب جده في تلك الأيام القليلة واستمر الجد ينظر إلى حفيده بصمت وحب ومودة وإيناس.

كانت نظراته رسالة صامتة وكانت في صمتها أبلغ من أي كلام . سُجي الحكيم في سريره المذهّب ثم أُخرج من بيته العتيق مارا بغرفته الصغيرة التي ما أكثر ما مضى فيها من أوقات . يذكر الصبي أن أناسا كثيرين وكثيرين جدا مشوا في جنازته . توقّف الطبيب عن الكتابة ورفع رأسه لينظر في الأفق البعيد وليستعيد ما مضى من زمان وليعيش رؤى حلوة وساحرة مرّت كالحلم ، ولكنه فوجئ بشهرزاد تقف من جديد أمامه صامتة مبتسمة .

– لقد تأخر الوقت كثيرا أيها الطبيب فالفجر كاد أن ينبلج . يكفيك هذا القدر اليوم .
– ولكن ماذا أفعل بمرضاي ؟
- لا تقلق فقد ذهبوا منذ وقت طويل . وهكذا صمتت شهرزاد عن الكلام المباح .
د. صادق فرعون


_________________________
فهرس مواضيع الأستاذ الدكتور صادق فرعون

 

 
 
 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

   
أعلى
الصفحة الرئيسية - الأرشيف - بحث - اتصل بنا - من نحن - سجل الزوار - الصفحات الأخرى
 

الحقوق محفوظة طبيب الوب 2014 ©

http://tabib-web.eu - http://www.tabib-web.eu