ولعل الشكل المستطيل للساحة الذي تتميز به إلى اليوم هو ربما يدل على أن التنظيم الفرنسي كان يهدف إلى إنشاء حديقة بداية وليس ساحة كما تحولت لاحقا تحت تأثير الأمر الواقع والاستعمال الوظيفي للمنطقة لاحقا.
جامع العجان، هو البناء ذو السقف القرميد
- بعد بناء مدرسة جول جمال توالت الكيانات المعمارية التي حددت شكل الساحة ، إذ أقيم جامع العجان على الزاوية الشمالية الغربية من الساحة، ومن ثم امتدت الأبنية بجانبه الجنوبي على شكل مستقيم يمثل إلى اليوم الواجهة الغربية للساحة (مجموعة المقاهي القائمة حاليا ، \"الحكيم ، ماشطة ، ألخ "
ثم شهدت سنوات الثلاثينيات مجموعة الأينية التي شكلت الواجهة الجنوبية للساحة (من مدخل شارع هنانو إلى مدخل شارع القوتلي) وهي كتلة بنائية لم تتغير إلى اليوم واستعملت وظيفيا عبر هذه السنوات كفنادق وسكن، في حين استعملت المحال التجارية بداية كمراكز انطلاق لسيارات النقل باتجاه المدن السورية واللبنانية واستمر ذلك إلى منتصف الثمانينات.
على المستوى الإداري، لعبت الساحة دورا هاما في هذا المجال إذ أقام الفرنسيون قيادتهم العسكرية، بالبداية عند الزاوية الجنوبية الشرقية من الساحة بما كان يعرف ( السكتور ) وقد هدم هذا البناء مع توسيع الساحة في تلك الجهة، كما أقاموا في الطرف الشمالي الغربي (مكان قسم شرطة الشيخضاهر الحالي) ما كان يعرف (كركون ) أي قسم شرطة ، وقد أقيم البناء الحالي بنفس المكان في أواخر الاربعينيات .
- مع نهاية الأربعينيات تكرس الاستعمال الوظيفي للساحة على الشكل التالي:
=> الجهة الغربية من الساحة عبارة عن طريق دائري يتفرع عنه شوارع (يوسف العظمة ، هنانو . أنطاكية ) تتوضع على على جوانبه كراجات سيارات السفر الصغيرة وتستعمل الدائرة الصغيرة من الساحة التي يدور الطريق حولها لوضع نصب تذكارية مثل شكل مجسم لروافع المرفأ أو شكل لصاروخ حربي ( العديد من الصور عن تلك الفترة تظهر ذلك).
=> القسم الشرقي من الساحة بشكل مستطيل كثيف الشجر كان ينظر إليه كحديقة أكثر من ساحة ويشهد بعض الأنشطة التجارية والخدمية ( حلاقين متنقلين ، ماسحي أحذية ، بائعين جوالين ) ثم أقيم في أقصى الطرف الشرقي للساحة مركز خدمات سياحية (خلال الخمسيسنيات ) .
- البنية المعمارية المحيطة بالساحة لم تشهد تغييرا كبيرا منذ آواخر ثلاثينيات القرن العشرين إذ لا تزال الأبنية التي بنيت تلك الفنرة على امتداد الطرف الجنوبي للساحة على حالها تقريبا ، وكذلك الأبنية العامة ( مدرسة جول جمال ، جامع العجان ) أما وظيفيا فقد تغيير استعمال الساحة وإن بقي ضمن الإطار التجاري وليس الإداري.
فمع بداية انتشار حركة النقل العام كانت الساحة هي الإطار الذي ضم هذه الفعالية لسنوات امتدت حتى منتصف أو نهاية الثمانينات ، كما شهدت الساحة أول محطة وقود في المدينة وكانت في واحدة من المحلات بجانب جامع العجان والتي تحولت غالبا إلى مقهى.
إضافة إلى ذلك شهدت الساحة إقامة الفنادق الأولى في المدينة ولا زال بعضها قائم إلى اليوم ، وبطبيعة الحال المقاهي التي كانت وما زالت جزء من فعاليات الساحة التجارية .
عدا ذلك فقد تنوعت الفعاليات التجارية للساحة عبر السنوات دون أن تكون مؤطرة في إطار محدد .
- على مستوى بنية الساحة نفسها ، فقد شهدت تحولين مهمين : الأولى تم مع نهاية الستينيات وبداية السبعينيات وتمثل بحفر ملجأ ضخم في المنطقة المقابلة لمدخل جول جمال ما استدعى قطع الأشجار المعمرة التي كانت موجودة وقتها وربما عند هذه اللحظة فقدت الساحة وظيفتها كحديقة عامة ، والثاني هو التنظيم الشامل الذي شهدته الساحة لمناسبة دورة ألعاب البحر المتوسط عام 1987 وهو ما أعطى للساحة شكلها الراهن.
- لقد كان للساحة تأثيرات اجتماعية واقتصادية ليس فقط على مستوى المدينة فقط بل على مستو الريف أيضا ، فاجتماعيا ، ومع أن الساحة بذاتها ليست منطقة سكن على الغالب حيث تستعمل وحداتها العمرانية في المجالات التجارية (فنادق ، مكاتب ، مخازن ) إلا أن نشوء الساحة دفع لإقامة منطقة سكن تحيط بها ولا سيما تلك التي لم تكن ضمن نطاق المدينة القديمة باتجاه الغرب ( شارع يوسف العظمة وتفرعاته ) والشمال ( شارع انطاكية وتفرعاته ) ثم (مارتقلا ) .
ولقد كانت هذه المناطق ، ولا زالت ، موطن الطبقة الوسطى اجتماعيا والتي بدأت بالتمييز خلال سنوات الأربعينيات بداية، ثم خلال سنوات الاستقلال.
ولقد شكلت الساحة نقطة ارتكاز لهذه الطبقة وهذا ما يفسر التنافس التقليدي بين الشيخضاهر والصليبة إذ حافظت الأخيرة على موقعها كمرتكز للطبقة الأكثر شعبية عبر تلك السنوات.
ولقد حفظ التاريخ السياسي للمدينة أن احتفالات ومهرجانات الأحزاب التي تشكل الطبقة الوسطى قوامها كانت تقام في ساحة الشيخضاهر ( الحزب الوطني قبيل وأثناء الاستقلال، حزب البعث ، الناصريون ) في حين كانت الأحزاب الأخرى التي لا ترتبط ارتباطا عضويا بالطبقة الوسطى تبحث لها عن أماكن أخرى للظهور ( حزب الشعب قبيل وأثناء الاستقلال، الشيوعيون ... )
- على مستوى الأرياف القريبة من المدينة ، فقد أثرت الساحة بسكان تلك الأرياف اقتصاديا من خلال كونها السوق الرئيسية لهؤلاء حيث كان الكثير منهم يصلون المدينة لينهوا كل ما جاءوا بسببه في الساحة نفسها ثم يعودون بواسطة وسائل النقل التي تتخذ مكانا ما في الساحة كمحطة انطلاق (جانب جول جمال ، جانب قسم الشرطة )
إضافة إلى أن طلاب المرحلتين الإعدادية والثانوية القادمين من الأرياف قبل انتشار التعليم كانوا يصلون إلى الساحة ليدخلوا ثانوية جمال، وهي الثانوية الوحيدة حتى السبعينيات ، ثم يغادرون مباشرة إلى قراهم ، أما الطلاب الذين كانت قراهم بعيدة نسبيا فقد وجدوا في الأزقة القريبة من الساحة نفسها غرفا ذات إيجار رخيص نسبيا يغنيهم عن الذهاب والعودة بشكل يومي .
إلا أن الساحة بدأت مع سنوات الثمانينات تفقد أهميتها وتأثيرها الكبير على سكان المدينة بسبب ظهور أحياء بعيدة نسبيا عن المركز ( الكورنيش الجنوبي ، مشروع الصليبة ، مشروع الزراعة ، ألخ ) وبسبب توضع العديد من المباني الإدارية شرقا في المشاريع الجديدة ( السجل المدني ، الهجرة والجوازات ، ألخ ) مما قلل من الأهمية النسبية للساحة وخاصة للقادمين من خارج المدينة . ولعلنا نلاحظ اليوم أن الساحة أصبحت نقطة مرور وعقدة مواصلات أكثر منها بؤرة ارتكاز الطبقة الوسطى والمكان الذي يشهد فعاليات تلك الطبقة ، والمدينة عموما ، بمظاهرها الاجتماعية والسياسية.
نقلا عن ما نشره الاستاذ هشام ساعي
في فترة الخمسينات : ساحة الشيخضاهر "باتجاه الغرب"